Search
حقائق على أرض الواقع: المعدّات الهندسيّة الثّقيلة والاحتلال الاسرائيلي‬

منذ أوائل أيّام احتلال العام 1967، استخدمت إسرائيل آلات بناء ثقيلة لتعزيز سيطرتها على الأراضي الفلسطينيّة والشّعب الفلسطينيّ من خلال ممارسة سياسة "فرض الحقائق على أرض الواقع". بما أنّ السّوق الإسرائيليّة للآلات الثّقيلة تعتمد على الاستيراد، فإنّ شركات متعدّدة الجنسيّات هي التي تقوم بإشباع الطّلب المحلّي. يصف هذا التّقرير بعمق كيف أنّ آلات البناء - في أيدي الجيش الإسرائيلي، والسّلطات الإسرائيليّة، والمستوطنين والشّركات العاملة في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة - تحوّلت إلى عنصر مصيريّ في آليّة الاحتلال.

 منذ الأيّام الأولى لاحتلال العام 1967، بدأت إسرائيل تستخدم آلات بناء ثقيلة لتعزيز سيطرتها على الأراضي الفلسطينيّة والشّعب الفلسطينيّ من خلال ممارسة سياسة "فرض الحقائق على أرض الواقع". فقد استُخدمت، وما زالت تُستخدم، الحفّارات وآلات الشحن لتغيير المناظر العامّة ومعالم الأراضي: لبناء البنى التّحتيّة لمشاريع الاستيطان الإسرائيلي غير المشروعة؛ ولفصل المجموعات السّكانيّة الفلسطينيّة عن بعضها البعض من خلال بناء متاريس وحواجز وطرق الفصل العنصري؛ ولهدم آلاف البيوت، والمباني العامّة والمصالح التّجاريّة الفلسطينيّة، كتدبير عقابي وكوسيلة لحدّ تطوّر البلدات والقرى. إنّ الانتهاكات الكثيرة التي ارتكبتها إسرائيل لحقوق الإنسان من خلال استخدام الآلات الثّقيلة في الأراضي الفلسطينيّة المُحتلّة تنقسم إلى أربعة أنواع رئيسيّة: هدم البيوت؛ الاستخدام العسكري والسّيطرة على السّكان؛ بناء المستوطنات؛ وبناء جدار الفصل العنصري والحواجز العسكريّة. يشمل التّقرير التّالي وصفًا مفصّلًا لهذه الأنواع المختلفة من التّورّط في الاحتلال.

نظرًا لعدم وجود صناعة محلّيّة كبيرة تختصّ في تصنيع آلات البناء تكون قادرة على إشباع الطّلب المحلّيّ، فإنّ السّوق الإسرائيليّة للآلات الثّقيلة تعتمد على الاستيراد. لذا، فإنّ غالبيّة آلات البناء التي تُباع في إسرائيل تُصنّع في أوروبا الغربيّة (وخاصّة في المملكة المُتّحدة، والسّويد وألمانيا)، والولايات المُتّحدة، واليابان، وكوريا الجنوبيّة وتركيّا. ومن أكبر الشّركات المُتعدّدة الجنسيّات التي تعمل في السّوق الإسرائيليّة نجد: بوبكات (Bobcat)، كاتربيلر (Caterpillar)، (CNH Industrial)، دوسان (Doosan)، هايدروميك (Hidromek)، هيتاشي (Hitachi)، هيونداي (Hyundai Heavy Industries)، (JCB، ليبهير (Liebherr)، تِرِكس (Terex) وفولفو (Volvo)، وتقوم جميعها بتوزيع آلاتها ومعدّاتها الثّقيلة من خلال وكلاء إسرائيليّين محلّيّين. يبيع الموزّعون المحلّيّون بعض الآلات المُستوردة إلى الجيش الإسرائيلي والسّلطات الإسرائيليّة؛ مع ذلك، فإنّ القسم الأكبر من أرباح هؤلاء ينتج عن بيع المعدّات لشركات البناء الإسرائيليّة في القطاعَين العام والخاص.

 وكما هو مفصّل في هذا التّقرير، فإنّ حجم استخدام آلات البناء الثّقيلة ومدى تنوّع هذا الاستخدام في إطار الاحتلال الإسرائييّ مذهلان حقًّا. ويجب التّطرّق إلى جانبين مثيرين للقلق في عمليّة توزيع المعدّات الهندسيّة المدنيّة والعسكريّة في السّوق الإسرائيليّة: الأوّل هو ازدياد أهمّيّة المعدّات الهندسيّة في التّكتيك العسكريّ الذي يتّبعه الجيش الإسرائيلي، والثّاني هو التواطؤ الواسع النّطاق لقطاع البناء الإسرائيلي في عمليّات الهدم والبناء في الأراضي الفلسطينيّة المُحتلّة.

إنّ الدّور المركزيّ الذي لعبته المعدّات الهندسيّة الثّقيلة خلال العقدَين الماضيين - في الهجومات على غزّة وفي الحرب المدنيّة في الضّفة الغربيّة - ينبع من منطلق وضع حماية الجنود الإسرائيليّين والمستوطنين فوق أيّ اعتبار، في حين أخذت قيم حقوق وحياة المدنيّين الفلسطينيّين تتدهور بشكل دائم. فإنّ الجرّافات (من نوع D9) الخالية من الرّكاب، والمصفّحة والمدجّجة بالسّلاح التي تُقوّض حارات بأكملها، مثلًا، وعمليّات القتل الخارجة عن نطاق القضاء التي تحدث عند هدم منازل على رؤوس مُشتبه بهم، هي تعبيرات واضحة عن مذهب "المخاطرة الدّنيا" التي بات يُتّبع. حجم هذه الآلات وقوّتها وحدهما يوفّران لمن يقوم بتشغيلها حماية قصوى، ويمكّنانه من التّحرّك دون أيّ اعتبار للظروف الميدانيّة، ولهذا السّبب يعتبر الجيش الإسرائيلي هذه المعدّات سلاحًا إستراتيجيًّا. لذا، فإنّ تزويد الجيش الإسرائيلي بهذه الأدوات ومشاركته في تطوير آلات هندسة ثقيلة مُحدّثة لا تحتاج إلى من يشغّلها، يمكن إدراجهما في خانة المتاجرة بالأسلحة.

إذا أنعمنا النّظر في استخدام آلات الهندسة المدنيّة في التّوسيع الممنهج للمستوطنات وبناها التّحتيّة، وفي بناء جدار الفصل العنصري والحواجز العسكريّة، وفي هدم البيوت الفلسطينيّة، فسوف نرى بشكل جليّ تورّط قطاع البناء الإسرائيليّ العميق في صيانة الاحتلال وفي إدامة العمليّة الاستعماريّة في الأراضي الفلسطينيّة. صحيح أنّ الحكومة الإسرائيليّة هي التي تخطّط وتموّل المشروع الاستيطاني وأنظمة السّيطرة المتنوّعة المُستخدمة لاضطهاد الشّعب الفلسطينيّ، لكنّ الأذرع التّنفيذيّة - تلك التي تُطبّق السّياسات على أرض الواقع وتغيّر معالم الأراضي - هي شركات بناء إسرائيليّة في العديد من الحالات. كما ذكرنا أعلاه، وفي غياب صناعة محلّيّة للآلات الثّقيلة، فإنّ قطاع البناء في إسرائيل يستخدم معدّات مُستوردة للقيام بعمليّات مرتبطة بطبيعتها بانتهاكات حقوق الإنسان وباختراقات متكرّرة للقانون الدّوليّ. إنّ تورّط قطاع البناء الإسرائيليّ في الاحتلال هو أمر معلوم - إحدى خواصّ السّوق المحلّيّة. على المصنّعون الدّوليّون أن يأخذوا في عين الاعتبار المشاكل الأخلاقيّة المتجذّرة في التّجارة مع السّوق الإسرائيليّة في الظّروف الرّاهنة، وعليهم أيضًا أن يعالجوا قضيّة أعمال التّدمير وانتهاكات حقوق الإنسان التي تحصل في الأراضي الفلسطينيّة المُحتلّة بواسطة استخدام منتجاتهم هم.